الجاحظ

137

رسائل الجاحظ

صدق الاخبار وامتناع الغلط في الآثار ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . [ 12 - اختلاف طبائع الناس سبب تنوع المهن ] واعلم أن اللّه تعالى إنما خالف بين طبائع الناس ليوفق بينهم ، ولم يحب أن يوفق بينهم فيما يخالف مصلحتهم ، لأن الناس لو لم يكونوا مسخرين بالأسباب المختلفة وكانوا مجبرين في الأمور المتفقة والمختلفة لجاز أن يختاروا بأجمعهم الملك والسياسة ، وفي هذا ذهاب العيش وبطلان المصلحة والبوار والثواء ، ولو لم يكونوا مسخرين بالأسباب مرتهنين بالعلل لرغبوا عن الحجامة أجمعين وعن البيطرة والقصابة والدباغة ، ولكن لكل صنف من الناس مزين عندهم ما هم فيه ومسهل ذلك عليهم . فالحائك إذا رأى تقصيرا من صاحبه أو سوء حذق أو خرقا قال له يا حجام ، والحجام إذا رأى تقصيرا من صاحبه قال له يا حائك . ولذلك لم يجمعوا على إسلام أبنائهم في غير الحياكة والحجامة والبيطرة والقصابة ، ولولا ان اللّه تعالى أراد أن يجعل الاختلاف سببا للاتفاق والائتلاف لما جعل واحدا قصيرا وآخر طويلا ، وواحدا حسنا والآخر قبيحا ، وواحدا غنيا وآخر . فقيرا ، وواحدا عاقلا وآخر مجنونا ، وواحدا ذكيا وآخر غبيا ، ولكن خالف بينهم ليختبرهم ، وبالاختبار يطيعون وبالطاعة يسعدون ، ففرق بينهم ليجمعهم وأحب أن يجمعهم على الطاعة ليجمعهم على المثوبة . فسبحانه وتعالى ما أحسن ما أبلى وأولى وأحكم ما صنع وأتقن ما دبر . لأن الناس لو رغبوا كلهم عن عار الحياكة لبقينا عراة ، ولو رغبوا بأجمعهم عن كد البناء لبقينا بالعراء ، ولو رغبوا عن الفلاحة لذهبت الأقوات ولبطل أصل المعاش . فسخرهم على غير إكراه ورغبهم من غير دعاء . [ 13 - سبب الرضا بالاوطان ] ولولا اختلاف طبائع الناس وعللهم لما اختاروا من الأشياء إلا أحسنها ومن البلاد إلا أعدلها ومن الأمصار إلا أوسطها ، ولو كان كذلك لتناجزوا على طلب الواسط وتشاجروا على البلاد العليا ولما وسعهم بلد ولما تم بينهم صلح ، فقد صار بهم التسخير إلى غاية القناعة . وكيف لا يكون كذلك وأنت لو حولت ساكني